سيد قطب
2129
في ظلال القرآن
هذا الكتاب المحفوظ ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه ؛ وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع ؛ فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب ، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقا تنزيل من عزيز حكيم . لقد كان هذا الوعد على عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مجرد وعد . أما هو اليوم - من وراء كل تلك الأحداث الضخام ؛ ومن وراء كل تلك القرون الطوال . فهو المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب ، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . . وصدق اللّه العظيم . . ويعزي اللّه سبحانه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - فيخبره أنه ليس بدعا من الرسل الذين لقوا الاستهزاء والتكذيب ، فهكذا المكذبون دائما في عنادهم الذميم : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » . . وعلى هذا النحو الذي تلقى به المكذبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم ، يتلقى المكذبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به . وعلى هذا النحو نجري هذا التكذيب في قلوبهم التي لا تتدبر ولا تحسن الاستقبال ، جزاء ما أعرضت وأجرمت في حق الرسل المختارين : « كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ » . . نسلكه في قلوبهم مكذّبا بما فيه مستهزأ به ؛ لأن هذه القلوب لا تحسن أن تتلقاه إلا على هذا النحو . سواء في هذا الجيل أم في الأجيال الخالية أم في الأجيال اللاحقة ؛ فالمكذبون أمة واحدة ، من طينة واحدة : « وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ » . . وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان ، فهم معاندون ومكابرون ، مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون . وهنا يرسم السياق نموذجا باهرا للمكابرة المرذولة والعناد البغيض : « وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ، لَقالُوا : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ » . . ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم فيها . يصعدون بأجسامهم ، ويرون الباب المفتوح أمامهم ، ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها . . ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون : لا . لا . ليست هذه حقيقة . إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لا ترى إنما تتخيل : « إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ » . . سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر ، فكل ما نراه وما نحسه وما نتحركه تهيؤات مسكّر مسحور ! يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري . ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء . ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان . وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل . فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة . إنما هم قوم مكابرون . مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف ! إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير ، مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير . .